نذير حمدان

208

حكمة القرآن والحضارة

أولا : الفرد الوسط أو الأوسط : فإذا كانت الوسطية منهجا تربويا يعد الإسلام الأفراد لها تجنبا للإفراط والتفريط والتسيب والتنطع فإن النموذجية الإنسانية تكتمل بالأفراد الوسط في إطار التعاون على الخير والتكامل الاجتماعي . ويمكن أن نستشف من أمثلة القرآن تلك ( الأوسطية ) التي ضربها اللّه عظة وعبرة لكل فرد في المجتمع الإسلامي . فإن ( أوسط ) أصحاب الجنّة ( القلم 17 - 33 ) « 1 » بالأسلوب القصصي تظهر أن حكمة الأوسطية كانت مانعة من غضب اللّه أن ينزل بجنتهم ويجعلها قاعا صفصفا لو أن الباقين استجابوا لحكمته ، ولكنهم نالوا الحرمان والخسران بعد فوات الأوان حين أقبلوا ( يتلاومون ) معترفين بطغيانهم وظلمهم ، إنه لعذاب الدنيا وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ( القلم 33 ) . فهو الأعدل والخير فيما نقله الزمخشري وغيره عن ابن عباس ، والأعقل والأحكم فيما ذكره غيره ، وقد كان قادرا على حماية الملكية من الضياع والدمار باستعمال الحكمة التي تقي الثروة وتحفظ الأموال . وهذا يعني أن إعطاء الحقوق للّه وللناس شطر الحكمة الواقية من الدمار ، كما يعني أن الأوسط لا يكفي وحده أن يبين وجه الحكمة وضروب الخير ، وإنما لا بدّ من الأدوات المنفذة والقادرة على التطبيق الحكيم ، فإن بإمكان الحكيم أن يتجنب بنفسه ويجنب الآخرين كثيرا من العثرات ، ويتجاوز الأغلاط في حدود تجاربه ، والاعتبار بتجارب الآخرين المنزلقات التي قد يقع فيها الغافل أو المتعنت . ومن النماذج التصويرية التي تفتح أمامنا مجالا تربويا هاما قائما على الحكمة والوسطية ما كان رسول اللّه يقوم به من تمثيل رمزي بالرسم أو بالخط للإنسان . عن ابن مسعود قال : خط لنا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم خطا مربعا وخط وسط . . . هذا الخط الأوسط الإنسان ، والخطوط إلى جانبه الأعراض تنهشه من كل مكان . . . والخط المربع الأجل المحيط به ، والخط الخارج البعيد : الأمل « 2 » .

--> ( 1 ) تقدمت هذه القصة في مواضع ، منها : إنسانية الحكمة . . . ( 2 ) بخاري رقاق 4 وانظر فتح الباري 11 / 137 .